حيدر حب الله
376
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
حيث وجدناه في بعض كلمات علماء الشيعة والسنّة هنا ، فلو سلّمنا أنّ سيرتهم قائمة على تمييز المقابر وتثبّتنا من ذلك تاريخيّاً ( واستشهد بعض علماء أهل السنّة لإثبات هذا الواقع التاريخي برواية عن النبي في مروره على مقابر المسلمين ، ثم غيرهم ممّا يعني تعدّد المقابر ) ، فهذا لا يعني التحريم ، بل قد يعني الاستحباب أو الأفضليّة أو ضرباً من تنظيم الدفن بين الديانات بحسب الأعراف القديمة التي لا تعدّ ناقضةً لغرض الشريعة ، وقد كانت الأعراف وما تزال تميّز في ذلك حتى بين القبائل والعشائر والأسر لا سيما المعروفة منها والمرموقة ، وجريان العرف المتشرّعي بقوّة على التمييز بين المقابر يمكن أن يجامع الأفضليّة أو الاستحباب ، تماماً مثل الأذان والإقامة والقنوت ، ومثل كثيرٍ من العادات الدينية المستحبّة الراسخة في الممارسات رسوخاً أقوى من رسوخ الواجبات في العُرف الاجتماعي العام ، فالجري المتشرّعي لا ينفع ، ولا يكشف عن وجود ارتكاز إلزامي في الموضوع بعنوانه ، فتأمّل جيداً . الدليل الثاني : ما ذكره كثيرون كالسيد الخوئي وغيره من أنّ دفن المسلم في مقابر غير المسلمين هتكٌ وتوهين له ، وحرمة المؤمن ميتاً كحرمته حيّاً ؛ كما أنّ دفن غير المسلم في مقابر المسلمين توهينٌ أيضاً وإساءة للمسلمين . وهذا الدليل غير واضح ؛ فلنفرض أنّه في بعض الصور يتحقّق الهتك ، لكنّ ذلك لا يتحقّق في جميع الصور والحالات ، وهذا أمرٌ عرفي يختلف من موضعٍ وبلد وثقافة إلى موضع آخر وبلد آخر وزمن آخر وثقافة أخرى ، وقد أسقط الفقهاء قراءتهم للموضوع على المسألة التي نحن فيها ، مع أنّها مسألة متغيّرة عرفاً بملاحظة الأعراف والأزمنة والظروف ، بل قد تكون بعض الظروف الاجتماعية والسياسية سبباً في اعتبار هذا الدفن خطوةً متقدّمة في العلاقات الطيبة بين